فخر الدين الرازي

91

تفسير الرازي

إلا بأن يستدل باحتياج الخلق على وجود الحق الغني القادر ، فقوله : ( أعوذ ) إشارة إلى الحاجة التامة ، فإنه لولا الاحتياج لما كان في الاستعاذة فائدة ، وقوله : ( بالله ) إشارة إلى الغني التام للحق ، فقول العبد ( أعوذ ) إقرار على نفسه بالفقر والحاجة ، وقوله : ( بالله ) إقرار بأمرين : أحدهما : بأن الحق قادر على تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات ، والثاني : أن غيره غير موصوف بهذه الصفة فلا دافع للحاجات إلا هو ، ولا معطي للخيرات إلا هو ، فعند مشاهدة هذه الحالة يفر العبد من نفسه ومن كل شيء سوى الحق فيشاهد في هذا الفرار سر قوله : * ( ففروا إلى الله ) * ( الذاريات : 50 ) وهذه الحالة تحصل عند قوله : ( أعوذ ) ثم إذا وصل إلى غيبة الحق وصار غريقاً في نور جلال الحق شاهد قوله : ( قل الله ثم ذرهم ) فعند ذلك يقول : ( أعوذ بالله ) . النكتة الثانية : أن قوله : ( أعوذ بالله ) اعتراف بعجز النفس وبقدرة الرب ، وهذا يدل على أنه لا وسيلة إلى القرب من حضرة الله إلا بالعجز والانكسار ، ثم من الكلمات النبوية قوله عليه الصلاة والسلام : " من عرف نفسه فقد عرف ربه " والمعنى من عرف نفسه بالضعف والقصور عرف ربه بأنه هو القادر على كل مقدور ، ومن عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالفضل والعدل ، ومن عرف نفسه باختلال الحال عرف ربه بالكمال والجلال . النكتة الثالثة : أن الإقدام على الطاعات لا يتيسر إلا بعد الفرار من الشيطان ، وذلك هو الاستعاذة بالله ، إلا أن هذه الاستعاذة نوع من أنواع الطاعة ، فإن كان الإقدام على الطاعة يوجب تقديم الاستعاذة عليها افتقرت الاستعاذة إلى تقديم استعاذة أخرى ولزم التسلسل ، وإن كان الإقدام على الطاعة لا يحوج إلى تقديم الاستعاذة عليها لم يكن في الاستعاذة فائدة فكأنه قيل له : الإقدام على الطاعة لا يتم إلا بتقديم الاستعاذة عليها ، وذلك يوجب الإتيان بما لا نهاية له ، وذلك ليس في وسعك ، إلا أنك إذا عرفت هذه الحالة فقد شاهدت عجزك واعترفت بقصورك فأنا أعينك على الطاعة وأعلمك كيفية الخوض فيها فقل : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) . النكتة الرابعة : أن سر الاستعاذة هو الالتجاء إلى قادر يدفع الآفات عنك ، ثم أن أجل الأمور التي يلقي الشيطان وسوسته فيها قراءة القرآن ، لأن من قرأ القرآن ونوى به عبادة الرحمن وتفكر في وعده ووعيده وآياته وبيناته ازدادت رغبته في الطاعات ورهبته عن المحرمات ؛ فلهذا السبب صارت قراءة القرآن من أعظم الطاعات ، فلا جرم كان سعى الشيطان في الصد عنه أبلغ ، وكان احتياج العبد إلى من يصونه عن شر الشيطان أشد ، فلهذه الحكمة اختصت قراءة القرآن بالاستعاذة .